الإصدار الثالث عشر: سنة 2013
عن مطبعة البيضاوي تحت عنوان:
"مذكرات شاوش في البرلمان"
مقدمة
خمسة وثلاثون سنة قضيتها بقبة البرلمان، اجتهدت من خلالها لأتمم ما تعلمته في الحياة، كانت مهمتي بسيطة بهمها، بأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني المليء بالمآسي والمفاجئات، ولكنها في الحقيقة، علمتني أن أكون كما أنا اليوم، أن لا أقف مكتوف اليد، منقطع النفس والروح، وأن لا أسعى إلى تحقيق ذاتي وطموحاتي، فكنت أعمل بجد وحماس منقطع، أتحرك كفراشة تطير من هنا إلى هناك لأرتشف رحيق كل المحيط الذي أنا موجود بداخله..
بدأت في الإنتاج والعطاء تلو العطاء، لأن توماس أديسون قال: "العبقرية عبارة عن واحد بالمائة إلهام و99 بالمائة بذل مجهود"، تقدمت بالأعمال والاقتراحات التي لها صلة بالمؤسسة التشريعية، فقد كان مآل كل اقتراحاتي وأعمالي الموازية هو سلة المهملات كما يفعلون بكل المقروءات، لدرجة سماني بعدها البعض ب "ميخالة"، لأنني جمعت كل ما وقع في طريقي كما هم دافعو العربات في شوارع مدننا كل مساء، ولقبني الآخر بالفنان، ربما إدراكا منه بهوايتي للمسرح في عنفوان شبابي، ويحلوا للبعض أن يناديني بمؤرخ البرلمان...
كنت أسترق النظر إلى كل ما حملته من أوراق طيلة خمسة وثلاثين سنة، وكانت جنون روحي المبدعة تتلقف كل ما يدور حولها من مشاهد وصور، منتقدة مرة، ومشمئزة مرات عديدة...
جالت في ذهني كثير من الأوهام الفكرية، نعم، سأجمع كل ما يلقونه في أدراجهم ولا يقرؤونه، وسأصرفه للمتعطشين إلى المعرفة المهملة مثلي، وقلت يوما في نفسي كلمة قالها أرخميدس: اقتبستها من أحدى المسرحيات التي كنت أشخصها في شبابي بمدينة فاس، "وجدتها".
حصيلة هذه الكلمة الآن هي أكثر من ثمانين عملا توثيقيا تتصل كلها بالمؤسسة التي آوتني منذ زمان. وإصدار خمسة عشر كتابا موجودا بالمكتبات داخل المغرب وخارجه، وأخرى تحت الطبع، وأخرى بين يدي.
لم يكن همي هو الاصطفاف في صف الانتهازيين والوصوليين، قمت بما يمليه علي ضميري وفق ما رباني عليه والداي رحمهما الله، وثلة من مخلصي هذا البلد، وأفنيت في العمل وأديته بإخلاص مع الأمل، لأن "عمل بدون أمل يؤدي إلى ضياع العمل، وأمل بدون عمل يؤدي إلى خيبة الأمل، فسعادة العمل تجدها مع الأمل، وروعة الأمل تجدها في العمل"، وما الحياة إلا أمل يصاحبها ألم ويفاجئها أجل.
لم أكن من طالبي الامتيازات والترقيات أو توظيف أبنائي المعطلين رغم وجود موظفين من اثنين إلى خمسة أفراد داخل المؤسسة التشريعية من نفس الأسرة الواحدة، لم أتحجج بالشواهد الطبية للتغيب ولو ليوم واحد عن العمل، وكثيرا من آثرت التضحية بعطلتي السنوية لتحليل طعامي على أن أدخل به حراما على أبنائي كما كانت أمنية المرحومة أمي، لكن مقابل ذلك ماذا وجدت؟ وجدت، أنني في نظر الكثيرين ذلك الرجل البسيط أو المحظوظ الذي جاء من ورشة أبيه في حرفة "الخرازة" ليعمل دفعة واحدة في البرلمان، ولا مكان له بين علية القوم، فبدأت معاول الهدم والدسائس تحاك من هنا وهناك.
لقد خدمت مصدر رزقي بنزاهة وإخلاص، ولم ألق من ماسكي مفاتيح المؤسسة التشريعية على مر عقود وحتى بعد إحالتي على التقاعد، إلا اللامبالاة والدسائس والحكرة وإذلال الكرامة حتى التراب، ولهم كلهم أقول اليوم، شكرا على ما فعلتم بي، فلو لم تطغوا في حقي، وتبطشوا بوضعي، لما وجدتم اسمي في كل خزانات ومكتبات الدنيا، لما وصلت إصداراتي للجامعات الكبرى من قبيل جامعة أوكسفورد بإنكلترا وهارفارد بأمريكا ومكتبة الكونغرس الأمريكي فرع القاهرة، ولما شرفتني القناة الأولى والثانية للتلفزة المغربية أكثر من مرة وقناة ميدي1 تيفي وقناة العربية على إبداعاتي في مجال الإصدارات، ولما تصدرت صوري أكثر من مائتين مرة واجهات الجرائد الوطنية ووكالة المغرب العربي للأنباء تقديرا منها لأعمالي التوثيقية والتعريف بكتبي، ولما عرفت الأجيال التي ستأتي بعدي، بأن مواطنا بسيطا اسمه عبد الحي بنيس، مر من هنا...
لكل من يتساءل عن سر شخصية هذا العبد الضعيف، أقول: لقد اكتسبت شخصيتي من خلال تربيتي في الطفولة التي كانت بالإرشاد تارة والعقاب والشد تارة أخرى. واحترام عدة قواعد التي لا يمكن التساهل معها، فطيلة حياتي المهنية داخل المؤسسة التشريعية، كنت أتحمل وأصبر، لأنني إنسان واضح، أكره الكذب والنفاق والتملق والوصولية، صريح إلى درجــة الشراسة، حساس جدا ومستقل بشخصيتي، لا أرتكن إلى الاستسلام والانتظارية رغم التوتر والعصبية التي عشتها داخل المؤسسة، ورغم أنني أملك روحا قيادية، لا أحب أن ألـعب دور القـائد، إنما أريد إثبات وجـودي للعالم كله، قوي إلى حد القسوة، لكن في قوتي يكمن ضعفي لدرجة البكاء، أعـبر عن التضـحية بالذات من أجـل الحق، وتفكيري حازمـا إلى درجـة التعـقيد، لكن رغـم جديتـي فـإنني مزاجـي، لـكن مزاجــيتي مـدروسة، ارتـكبت الكثـير من الأخطاء، لكنها ليست أخـطاء مدمـرة لا يمكـن إصـلاحها، أشـجع طمـوح الآخـرين، أستمتع بالمناقشات الجادة حينا بعد حين لإثارة المواضيع والأمور، احتياجي الأساسي هو أن أتحدث ويُستمع إلي، أريد أن أتعمق في رأس الشخص الذي أتحدث معه حتى أعرف ما هي نقط قوته وضعفه وكيف أكسبه إلى صفي، أفهم لغة الإيماءات والإشارات، أحب العمل والحركة، وأكره الهـدوء والجلوس، لا أستطيع الكف عن التفكير من أجل إنجاز عمل ما، بإمكاني أن أقوم بعملين في نفس الوقت، أجيد أي عمل يتطلب ذكاء وحسن استـخدام للعـقل، أعمل بجد واجتهاد لما أومن به في أن أصل إلى الكمال وتحقيق ما أريد، في داخلي يوجد إبداع ولكني قد أفشل أحيانا في إظهاره، دائماً ما أحتاج إلى معرفة رد فعل الآخرين تجاه ما أنتج، كنت لا أشعر دائمـا بـالأمان، حيـاتي الإدارية كانت مملوءة بمواجهات صارمة ومختلفة مـرة فـوق ومـرة تحـت.
في هذا الجزء من مذكراتي، لم أبوح بكل شيء، واكتفيت فيه بالمرموز فقط حتى لا أتسبب لأحد في تشويه صورته أمام أبنائه وباقي أفراد أسرته، لأن من لم يقرأ الأسطر الواضحة أمامه، لن يتمكن من قراءة ما بين السطور.
وفي الأخير أتقدم بالشكر والامتنان للرجال والنساء الشرفاء الأجلاء الذين وجدتهم في مسيرتي الإدارية الذين كانوا يقدرون ما أقوم به، وكانوا يقدمون لي النصح والتشجيع والدعم وهم قلة، فقد تعلمت منهم الشيء الكثير، تعلمت معنى المسؤولية والواجب والإخلاص في العمل وحب الوطن، فلهم مني ألف شكر.
عبد الحي بنيس
الرباط: 08 ماي 2013
فهرسة
الصفات
من الولادة إلى المدرسة
الأسرة ومحيطها
نمط البيت الفاسي
الحياة الأسرية
حرفة الخرازة
الوقت الثالث
المسرح
الحياة العاطفية
الزواج والاستقرار بمدينة الرباط
الوظيفةالإصدارات
نماذج لبعض المقالات بالصحافة الوطنية
البرلمان والمسؤولون الذي اشتغلت معهم
الأداء البرلماني
الإدارة والموظفون
مختلفات
أحداث وطرائف ونوادر
شهادات

ليست هناك تعليقات:
كتابة التعليقات