
عبد الحي بنيس... هذا أنا؟
***
لكم كان حلمي جميلا عندما دعيت يوم 14 أكتوبر 1977 للالتحاق فورا بعملي موظفا بإدارة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، لم تكن السماء لتسع فرحتي وأنا في عمر الزهور، حملت البشرى لخطيبتي وأم أبنائي بعد هذا التاريخ، طرت مسرعا إلى مدينة فاس لأبشر أبي الذي ملأ همي صدره، وأمي التي تعرف أن فرحتها بأحفادها لن تكتمل إلا بعد أن أحصل على عمل قار أعولهم به..
كانت تجول بمخيلتي العديد من التخمينات حول ظروف عملي، عن المهمة التي ستسند إلي، عما يجري بالمؤسسة التشريعية، وعن أحوال سكانها القدامى والجدد، والحقيقة أنني بالقدر الذي سررت وقتها بهذه الفرصة، بقدر ما كنت متوجسا، بل خائفا من غد مجهول، خصوصا وأنني لا أتوفر على أي شهادة مدرسية..
استقبلني المرحوم محمد بنشقرون المدير العام لمركز حزب الاستقلال، قدمت له ما طلب مني، وكانت عبارة عن ورقة بها جرد للأنشطة المسرحية والحزبية التي كنت أمارسها بمدينة فاس، لا زلت أذكر كل التفاصيل بدقتها، حيث أخبرني بأنني سأعمل في البرلمان، ثم قدمني للأخ محمد سعد العلمي الذي شرح لي نوعية العمل الذي سأقوم به بعد أن عرف أنني لا أتوفر على شواهد مدرسية، قال لي: لنا بمجلس النواب مكتبين إداريين و52 نائبا برلمانيا "هيا تفضل.. "عملك هو "مأمور" بإدارة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب..
قمت من مكاني، لم أكن أعرف معنى واضحا لكلمة "مأمور"، فعرفت بعدها أنها تعني قيامي بمهام، استلام جميع الوثائق والرسائل المضمونة أو الطرود البريدية قصد إبلاغها إلى أصحابها النواب، حمل مداخلات السادة النواب لمقر جريدة العلم قصد نشرها، حمل أو جلب ما له علاقة بالفريق من المركز العام للحزب، ضبط الواردات والصادرات في سجل الفريق، تقديم كافة الخدمات الخاصة بأعضاء الفريق داخل المجلس وخارجه، إخبار أعضاء الفريق باستعجال بالنشاطات البرلمانية المدعوين لها عن طريق الهاتف أو البرق، نسخ القوانين التي لن تطبق أبدا، حمل التقارير والجرائد غير المقروءة من مكان إلى آخر..
كانت مهمتي بسيطة بهمها، بأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني المليء بالمآسي والمفاجئات، ولكنها في الحقيقة، علمتني أن أكون كما أنا اليوم، أن لا أقف مرة مكتوف اليد، منقطع النفس والروح، وأن لا أسعى إلى تحقيق ذاتي وطموحاتي، فكنت أعمل بجد وحماس منقطع، أتحرك كفراشة تطير من هنا إلى هناك لأرتشف رحيق كل المحيط الذي أنا موجود بداخله..
وجدت في مسيرتي الإدارية بعض الموظفين الشرفاء الذين كانوا يقدمون لي النصيحة والدعم وهم قلة، فلهم مني ألف شكر، كما وجدت في الفريق الاستقلالي عددا من الرجال الأجلاء، الذين كانوا يقدرون ما أقوم به، ويقدمون لي النصح والتشجيع والدعم، تعلمت منهم الشيء الكثير، تعلمت معنى المسؤولية والواجب والإخلاص في العمل وحب الوطن، مثلا حين كان يناقش موضوع ما بقاعة الجلسات العامة، آخذ مكاني بمنصة الزائرين، وتجدني فطنا عيناي لا تفارق نواب الفريق، أتابع الموضوع الذي يناقش بكل حواسي، وألاحظ مثلا أن الأخ محمد الوفا يقوم من مقعده ويتكلم مع رئيس الفريق الأستاذ عبد الكريم غلاب، أعرف ما يريدانه في تلك اللحظة، أقوم بسرعة البرق لأبحث عن نص معين أو ما يفي بالغرض، وأقدمه للعون المكلف بالخدمة داخل القاعة ليقدمه للأخ الوفا، وأرجع إلى مكاني لأرى هل أصبت أم لا، بمجرد جلوسي بالمنصة يستدير الأخ الوفا أو السيد رئيس الفريق ويرفع أحدهما لي إشارة الشكر والتشجيع، بعدها أسأل كيف فهمت ما كنا نريد في تلك اللحظة بالضبط، فيكون جوابي دائما، هو حبي للعمل وللفريق...
كنت أسترق النظر إلى كل ما حملته من أوراق طيلة أربع وثلاثين سنة، وكانت جنون روحي المبدعة تتلقف كل ما يدور حولها من مشاهد وصور، منتقدة مرة، ومشمئزة مرات عديدة...
جالت في ذهني كثير من الأوهام الفكرية، نعم، سأجمع كل ما يلقونه في أدراجهم ولا يقرؤونه، وسأصرفه للمتعطشين إلى المعرفة المهملة مثلي، وقلت يوما في نفسي كلمة قالها أرخميدس: اقتبستها من أحد المسرحيات التي كنت أشخصها في شبابي بمدينة فاس، "وجدتها".
حصيلة هذه الكلمة الآن هي أكثر من ستين عملا توثيقيا تتصل كلها بالمؤسسة التي آوتني منذ زمان.
إصدار إثنى عشر كتاب موجودة بالمكتبات داخل المغرب وخارجه، وأخرى تحت الطبع، وعشرات أخرى بين يدي.
إنجاز صفحة ويب في شكل موقع إلكتروني حول مدونة الأسرة سنة 2006، بالإضافة إلى عدة أعمال أخرى.
سماني بعدها البعض ب "ميخالة"، لأنني جمعت كل ما وقع في طريقي كما هم دافعو العربات في شوارع مدننا كل مساء، ولقبني الآخر بالفنان، ربما إدراكا منه بهوايتي للمسرح في عنفوان شبابي، ويحلوا للبعض أن يناديني بمؤرخ البرلمان...
أربع وثلاثون سنة قضيتها بقبة البرلمان، منها خمسة عشر سنة بالفريق الاستقلالي، كانت أحلى أيامي العملية، باستثناء ثلاث سنوات مرت في تطاحن ومكائد مع رئيس مصلحة إدارة الفريق الذي كان من أحد الأسباب لكي أقدم استقالتي من الفريق وأنا مجبر لألتحق بإدارة المجلس لأتمم عملي بكل ما تعلمته في الحياة، بدأت في الإنتاج والعطاء تلو العطاء، وأتقدم بالأعمال والاقتراحات التي لها صلة بالمؤسسة التشريعية، لكن، ماذا وجدت؟ وجدت، أنني في نظر الكثيرين ذلك الرجل البسيط أو المحظوظ الذي جاء من ورشة أبيه في حرفة "الخرازة" ليعمل دفعة واحدة في البرلمان، ولا مكان له بين علية القوم، وبدأت معاول الهدم والدسائس تحاك من هنا وهناك، لدرجة أنه في سنة 2005 استغل رقم حسابي البنكي وقدم لصندوق الضمان الاجتماعي على أساس أنه رقم حساب جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي مجلس النواب كي تصب المبالغ المالية في حسابي ويتم توريطي للزج بي في السجن، لكن، كما يقول المثل المغربي: ما تديرش، ما تخافش...
كنت أدرك ذلك، فقد كان مآل كل اقتراحاتي وأعمالي الموازية هو سلة المهملات كما يفعلون بكل المقروءات، الشيء الوحيد الذي يشفع لخاطري هو جرأتها، تبنى ثلة من المهتمين المنتسبين إلى مكتب مجلس النواب الذين يؤمنون بقدرة هذا الشعب يوم 8 يناير 1985، بعد أن اطلع جلالة المغفور له الحسن الثاني، على هذا اقتراح الذي تقدمت به لإحداث وحدة للتوثيق السمعي البصري للبرلمان، وهي مفخرة أعتز بها، وسيعتز بها غيري، فهي التي تصل اليوم هذه المؤسسة بخارجها.
واكبت نشأة هذه المؤسسة التشريعية التي خرجت من طفولتها قبل السبعينات، وها هي بعد دستور 1972 تدخل مرحلة جديدة بعد تشريعات 1976، إنها المراهقة البرلمانية بصخبها الذي لا ينتهي، ورفضها لما يجري، وسعيها إلى الأحسن..
كان الحلم جميلا ولا يزال، ولولا أناس أساؤوا كثيرا منذ البداية وإلى الآن لهذه المؤسسة كما للوطن، لأصبحنا في الترتيب مع أعرق الديمقراطيات، وليغفر لهم الله ما فعلوا...
لم يكن يهمهم إلا أنفسهم وحواريهم، ومن يقم بخدمتهم، لا خدمة المؤسسة والوطن، أما أبناء الشعب، وأنا منهم، فإن دورهم لم يأت بعد، وعليهم الانتظار قرونا أخرى...
لم يكن همي هو الاصطفاف في صف الانتهازيين والوصوليين، قمت بما يمليه علي ضميري وفق ما رباني عليه والداي رحمهما الله، وثلة من مخلصي هذا البلد، وأفنيت في العمل وأديته بإخلاص، وكثيرا من آثرت التضحية بعطلتي السنوية لتحليل طعامي على أن أدخل به حراما على أبنائي كما كانت أمنية المرحومة أمي، كما لم أطلب يوما لا "رخصة نقل، ولا قطعة أرضية، ولا أي امتياز"
خدمت مصدر رزقي بإخلاص، ولم ألق من ماسكي مفاتيح هذه المؤسسة على مر عقود إلا اللامبالاة والدسائس والحكرة وإذلال الكرامة حتى التراب، ولهم كلهم أقول اليوم، شكرا على ما فعلتم بي، فلو لم تطغوا في حقي، وتبطشوا بوضعي، لما وجدتم اسمي في كل مكتبات الدنيا، ولما عرفت الأجيال التي ستأتي بعدي، بأن مواطنا بسيطا اسمه عبد الحي بنيس، مر من هنا..
شكرا لكم جميعا ..
وإلى اللقاء