باختصار شديد


باختصار شديد

خمسة وثلاثون سنة قضيتها بقبة البرلمان منذ 14 أكتوبر 1977 إلى 31 ديسمبر 2012، اجتهدت في عملي لأتمم ما تعلمته في الحياة، كانت مهمتي بسيطة بهمها، بأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني المليء بالمآسي والمفاجئات، ولكنها في الحقيقة، علمتني أن أكون كما أنا اليوم، أن لا أقف مكتوف اليد، منقطع النفس والروح، وأن أسعى إلى تحقيق ذاتي وطموحاتي، فكنت أعمل بجد وحماس منقطع، أتحرك كفراشة تطير من هنا إلى هناك لأرتشف رحيق كل المحيط الذي أنا موجود بداخله.



بدأت في الإنتاج والعطاء تلو العطاء، كما انتصبت كنواة اقتراحيه وتقدمت بعدة أعمال واقتراحات كلها تتصل بالمؤسسة التشريعية، فما كان مآل كل اقتراحاتي وأعمالي الموازية هو سلة المهملات كما يفعلون بكل المقروءات، لدرجة سماني بعدها البعض ب "ميخالة"، لأنني جمعت كل ما وقع في طريقي كما هم دافعو العربات في شوارع مدننا كل مساء، ولقبني الآخر بالفنان، ربما إدراكا منه بهوايتي للمسرح في عنفوان شبابي، ويحلوا للبعض أن يناديني بمؤرخ البرلمان أو "ذاكرة البرلمان"، لكن، مقابل ذلك ماذا وجدت؟ وجدت، أنني في نظر الكثيرين ذلك الرجل البسيط أو المحظوظ الذي جاء من ورشة أبيه في حرفة "الخرازة" والذي لم يحصل على أي شهادة مدرسية في حياته ليعمل دفعة واحدة في البرلمان، ولا مكان له بين علية القوم، وبدأت معاول الهدم والدسائس تحاك من هنا وهناك وخصوصا من الذين أكملوا دراستهم وحصلوا على شواهد عليا لكن مع الأسف لم يتعلموا أشياء كثيرة في هذه الحياة، فمنهم من يضع خده في التراب للمشي عليه مقابل الماديات، بينما أضع المال تحت قدمي كي أعلو، فبقدر ما كنت أجتهد وأفكر وأنجز، كنت أعامل بمعاملة لا تليق بموظف كل همه هو الرفع من المؤسسة التي يعمل بها ويعيش من فضلها،



لا أنكر بأنني كنت دائما متربصا ويقظا ومترصدا لكل الاختلالات والتصرفات المخالفة للقانون – ألتقطها وأسجلها وقد أجهر بها حينما يتطلب الأمر ذلك. أنا لا أنكر كذلك بأنني لم أكن طيع المراس، خنوعا إلى درجة الاستسلام، متوسلا مستعطفا إلى درجة الإذلال وتمريغ أنفتي في التراب، فقد اخترت أن أكون وطنيا حتى النخاع – إذا كسبت درهما واحدا فعلي أن أؤدي ضعف مقابله.



لم يكن همي هو الاصطفاف في صف الانتهازيين والوصوليين والانتفاعيين والأنانيين والذين بما لديهم فرحون، قمت بما يمليه علي ضميري وفق ما رباني عليه والداي رحمهما الله، وثلة من مخلصي هذا البلد، وأفنيت في العمل وأديته بإخلاص مع الأمل، ولم أكن من طالبي الامتيازات والترقيات أو توظيف أبنائي المعطلين رغم وجود موظفين من اثنين إلى خمسة أفراد داخل المؤسسة التشريعية من نفس الأسرة الواحدة، لم أتحجج بالشواهد الطبية للتغيب ولو ليوم واحد عن العمل، وكثيرا من آثرت التضحية بعطلتي السنوية لتحليل طعامي على أن أدخل به حراما على أبنائي.



لقد خدمت مصدر رزقي بنزاهة وإخلاص، ولم ألق من ماسكي مفاتيح المؤسسة التشريعية على مر عقود وحتى بعد إحالتي على التقاعد، إلا اللامبالاة والدسائس والحكرة وإذلال الكرامة حتى التراب، ولهم كلهم أقول اليوم، شكرا على ما فعلتم بي، فلو لم تطغوا في حقي، وتبطشوا بوضعي، لما وجدتم اسمي في كل خزانات ومكتبات الدنيا، ولما وصلت إصداراتي للجامعات العالمية الكبرى من قبيل جامعة أوكسفورد بإنكلترا وهارفارد بأمريكا ومكتبة الكونغرس الأمريكي فرع القاهرة، كما يتم الاعتماد عليها بالجامعات المغربية،  ولما شرفتني أكثر من مرة القنوات التلفزية المغربية القناة الأولى والثانية وميدي1 تيفي والقنوات العربية "الجزيرة" و"العربية" و"سكاي نيوز عربية" بالاستضافة للتعريف بإبداعاتي في مجال الإصدارات، ولما تصدر اسمي وصوري مئات المرات واجهات الجرائد والمجلات الوطنية ووكالة المغرب العربي للأنباء وعشرات المواقع الإلكترونية تتقدمها "هيسبريس" و"بلادنا" و"هبة بريس" تقديرا منهم لأعمالي التوثيقية والتعريف بكتبي، ولما أجريت دراسات نقدية على إصداراتي مثل ما قامت به الأستاذة أحلام أبو زيد كاتبة من مصر حول كتابي "أطيب الأحاجي والأمثال من أفواه النساء والرجال" كنموذج من المغرب مقارنة مع إصدار كتاب من كل دولة عربية، ومثل ما قام به السيد فريدهيلم هوفمان: العالم الكبير المتعدد الاختصاصات واللغات والمنخرط في قضايا الحوار بين الأديان، والعولمة الذي قام بقراءة نقدية لكتابي "اليهود المغاربة في المنظومة القانونية" نشرت بمجلة "judaica" الألمانية التي تصدر منذ 68 سنة في يونيو 2012 من من الصفحة 192 إلى 195، ولما تم تكريمي بعدة مؤسسات كمؤسسة الفقيه التطواني للعلم والآداب بسلا، ومسرح محمد الخامس بالرباط، والمجموعة الحضرية لمدينة تازة، ومكتبة الألفية الثالثة بالرباط وفي الأخير لما عرفت الأجيال التي ستأتي بعدي، بأن مواطنا بسيطا اسمه عبد الحي بنيس، مر من هنا...