الأحد، 7 مايو 2017

الإصدار الرابع: أطيب الأحاجي والأمثال من أفواه النساء والرجال

 



الإصدار الرابع: سنة 2009 
عن دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع تحت عنوان:
"أطيب الأحاجي والأمثال من أفواه النساء والرجال"


تقديم الأستاذ خالد الجامعي

الأمثال حكم قادمة من عمق التاريخ ومن أغوار ذاكرة وتجارب الشعوب.
إنها الإشعاع البراق لحكمة هذه الشعوب, الحائزة على صفة الدوام لكونها منزهة عن نوائب الزمن.
تمخضت أحشاء التاريخ الحبلى بالمصادفات والأحداث, فولدت أمثالا لتؤرخ لها وتحكي أفراحها وأتراحها وتطورات عقلياتها واعتقاداتها وثقافاتها.
الأمثال: إنها بحق روح الشعوب.
الأمثال: لا أحد يستطيع أن يدعي أبوتها لأنها خرجت من صلب الجميع.
الأمثال: إنها الواحد المنصهر في الكل.
الأمثال: كلمات نقشت ثم رصعت بأصبع التاريخ لتحيى على إيقاع إبداعات الشعوب. ترى النور, ثم تعيش أسابيع او شهور, وغالبا سنوات, ثم تشيخ وقد تتبدل في بعض الأحيان.
في غالب الأحيان, فإنها تترك مكانها مختارة لغيرها.
الأمثال: علامات مضيئة وموجهه في مسيرة الزمن, وقنينات أثرية مرميات في تيار تاريخ الأمم.
الأمثال جديرة بالحفظ والصيانة لأن إتلافها إتلاف مؤكد لذاكرة الشعوب وحكمه البالغة.
إن جمعها وتدوينها بين صفحات كتاب على شكل درر نفيسة نادرة ليعيد تحفة فريدة رائعة من شأنها أن تشكل عملية إنقاذ لها وللذاكرة الجماعية المغربية.
وهذا بالذات ما فعله عبد الحي بنيس.
أكثر من 11 ألف مثل, و233 لغز وأحجية, جمعها الرجل بمشقة استدعت منه صبرا يضاهي النساك وإصرارا يعادل إصرار النمل.
وعلاوة على الأمثال والأحاجي, فالكتاب الموضوع رهن إشارتنا, يتميز بحضور لافت لروح العبقرية المغربية.
العبقرية المغربية بكل معتقداتها وإيجابياتها وسلبياتها كذلك.
لا يهم...
فالأوان كان قد حان لربط أجيال حاضرة بأخرى سابقة عبر أواصر الذكرى والاستحضار التي كم هي مفيدة ترسيخها في أذهان أبنائنا وأحفادنا ومن سيأتي بعدنا من أجيال لاحقة.
فليكن عملك أخي عبد الحي مقبولا مشكورا وليكن سعيك مثابا مأجورا.

خالد الجامعي
الرباط في 2 يونيه 2008

        



مقدمة الكتاب

        تعتبر الأمثال والحكم الشعبية، في تاريخ الأمم والشعوب، مدخلا أدبيا بالغ الشأن في منظومة ثقافتها التراثية. بحيث تتوفر نصوصها الإبداعية – على الرغم من بساطتها اللغوية - على حيز وافر من السمات والأوصاف الدلالية والإيحائية، والإشارات اللفظية ذات الشحنة البلاغية والتعبيرية، إذ ترسخ خاصية التواصل المباشر، والذي يرتكز أساسا على الشفهية والتمثيلية، مما يرقى بها إلى أعلى مستويات تشكيل الخطاب البياني الشفوي في لغة التواصل اليومي بين الأفراد،  كما أن الأمثال تتفرد بصفات شمول الإحاطة، ودقة المقصد، وعمق النفاذ وسبر الأغوار لاختيار الموضوع المناسب.

     كما تتميز الأمثال بأسلوب مجازي يستخدم الانزياح والرمز والاستعارة، لركوب تشابيه قد يخفى وجهها، أو تبيان العلاقة التشابهية بينها، وغالبا ما تكون جملا قصيرة تتميز بتركيب وجيز، وحتى يشعر قراؤها بشعرية في القول بعيدة عن كل ملل، فإن الأمثال غالبا ما تلجأ إلى وزن مسجوع يشبه القافية في فن الشعر.  
  
       إن الحكاية الشعبية والأمثال من بين الموروثات الشعبية بالمغرب التي لها صدى واسع بين مختلف شرائح المجتمع المغربي، إذ يمثلان الذاكرة المرجعية للمتخيل الشعبي في التراث المحكي، ويكونان الأساس المرجعي للسلوك الفردي خاصة والجماعي عامة، كما أنهما نسقان أدبيان مشحونان بحمولة ثقافية شعبية واسعة.

       إن الوعاء البياني و البلاغي للأمثال والحكم الشعبية، يضفي على هذين النسقين الأدبيين ضربا من التمييز والتفرد، ضمن المجموعة التراثية الشعبية لهذه الأمة، غير أن وظيفتها الأساسية التي نشأت من أجلها، كأداة للتوثيق الشفهي الذي يحكي تجارب وخبرات الناس في كافة المجالات الحياتية، يزيدها ارتقاء وفضلا، ولعمري هذا هو ما أشار إليه ابن عبد ربه مليح الأندلس، في كتابه العقد الفريد (ج3/ص63) حين قال عنها: بأنها "وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني.. تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها، حتى قيل: أسير من مثل. 

     إن المثل المغربي الذي نتوخى النبش في دفاتره الشعبية يؤسس مدارجه من خلال خصائصه المتفردة والتي يأخذ منها كينونته ويؤسس لوجوده، يأتي في أغلبه متشبعا بالنفحات الشعبية، جمله مركزة هادفة، نثرية أو شعرية أو مسجعة، شائعة بين غالبية الناس، عامتهم وخاصتهم. إذ يجد المهتم بالأمثال الشعبية أنها تلخص موقفا، أو تختصر تجربة في الحياة مألوفة، أو تصور لقطة حية من لقطات الحياة اليومية المعيشة للأشخاص، ومن هنا يسكن المثل متاهات اليومي المعاش. والغالب عليه أنه لا يقتصر على الوصف فقط، بل يبحث عن الحلول والبدائل لمشاكل الفرد والجماعة، وحاجة الجماعة هاته إليه هي التي جعلته يثبت في أذهان الناس ومعاملاتهم أكثر من أي نوع من فنون القول الأخرى. فهو ذاكرة الجماعة بلا شك التي لا يطالها النسيان عبر ثنائية الزمان والمكان.

     ويأتي اليوم هذا المؤلف الذي تطلب مني جهودا جهيدة من البحث والتنقيب، ونفض الغبار عن وثائق طواها النسيان في ذاكرة الزمان، حيث نبشت في الذاكرة الشعبية وموروثها ، لأميط اللثام وأكشف النقاب عن إرث ثقافي شعبي مغربي محض، وجبت في ترحال أدبي الشرق والغرب، والجنوب والشمال ،وسئلت النساء والرجال عما حكاه المغاربة من الأحاجي والأمثال، لأختار لك عزيزي القارئ من قطوف الأمثال يانعها، ومن الأقوال أسهلها، ولأقدم لك من الأقوال الشعبية نفحات طيبة وأغصانا رطبة تتساقط ورقاتها كلمات عذبة محكمة مقفلة.  

          إن هذا المصنف الأدبي من التراث المغربي الشعبي، أردت منه أن يكون خريدة القول وجريدة المثل الشعبي الشائع بين مختلف الشرائح الاجتماعية، لأنه فن أدبي يمتح من التراث الشعبي، تراث انصهرت عدة عوامل فيما بينها وتفاعلت عدة جوانب منها ما هو اجتماعي، وما هو سياسي، وما هو ثقافي، وما هو ديني،…بالإضافة إلى مؤثرات أخرى كانت الوازع الأساسي في نشأة المثل الشعبي المغربي عبر التاريخ، و إن هذه المؤثرات والمثبطات من قبيل الأخلاق، العادات، التقاليد والقيم المجتمعية خاصة...، تمثل مادة خصبة لتجربة الأمة المغربية بمختلف طبقاتها، عبر الحقب والأزمنة.

       إن هذا المصنف الذي اهتممت فيه بالجمع والتصنيف، والتوصيف والتبويب، يمكن اعتباره ولاغرو تجديدًا وإغناء لمن يبحث عن أمثال مركزة عن المعاملات والجار مثلا أو الأسرة والمصاهرة أو النصيحة، أو الخصام والكراهية، أو المرأة في الثقافة الشعبية أو الحماة، أو ما قيل في ذم البخل...

      لقد حفلت المكتبة العربية بعدة مؤلفات للأمثال الشعبية التي تعددت واختلفت أساليبها لكنها جميعها أسهمت في تنشيط وإحياء هذا الجانب المهم من الثرات. 

        إن هذا المؤلف الذي يربو على 550 صفحة من الحجم المتوسط، ويجمع بين ثناياه ما يفوق 11.300 مثل شعبي توارثه المغاربة جيلا بعد جيل، و 233 من الأحاجي المغربية، ما هو إلا غيض من فيض. حيث اكتفيت بهذا العدد من أصل 15.000 مثل, كالأمثال العربية القديمة, أو الأمثال الزاخر بها الثرات الأمازيغي أو الريفي, والأمثال التي تخدش الحياء.

       إذ تحدوني مستقبلا وبعون الله تعالى و مدده، رغبة جامحة في إفراد مؤلفات أخرى من هذا القبيل، تهتم بالمحكي الشعبي والتراث الزاخر بأقطاف يانعة من الأنساق الثقافية المغربية المتنوعة كالحكايات الشعبية للكبار أو للأطفال, والفنون الشعبية كفن الملحون، والعادات والتقاليد المغربية عبر الحقب، كطقوس الأعراس المغربية, وما قيل عن الأعشاب والتداوي بها في حكايات الآباء والأجداد, وكل ماله صلة بالثقافة الشعبية المغربية... 

    كما حاولت أن أقسم الأمثال إلى ما يربو على خمسين بابا، اختلفت أغراضها باختلاف مناسباتها، وتحكمت فيها عدة مؤثرات و مثبطات من قبيل الأخلاق، والعادات والدين واللغة والمحلية، والتقاليد، والقيم المجتمعية، و القيم الأسرية...

    وقد يلاحظ المتلقي أن حافظت على أصالة الأمثال والأحاجي من حيث لغتها البسيطة العامية، لأن نكهة قرائتها واستيعابها تتطلب من القارئ استعمال اللغة المغربية الدارجة لفهم معناها واستكشاف مغزاها، وهذا ما يضفي عليها طابع الشعبية، وإن تواجد تكرار بعض الأمثال ضمن بعض التبويبات الواردة في هذا المؤلف، فإنه لا يدخل في باب التكرار، وإنما يعزى لكون المثل نفسه يحمل أكثر من دلالات ومعان قد جعل رواته يختلفون في تحديد أبواب تصنيفه، فتجده في أبواب متفرقة, كما أن هذا التكرار لا يدخل في تعداد العدد الإجمالي الذي هو 11.300 مثل شعبي المتضمن في هذا المؤلف.

   فإلى عشاق الأحاجي والأمثال الشعبية أهدي هذه الباقة التي قطفتها من بساتين الثرات المغربي الشاسعة والغنية بعطاءاتها المتميزة في مختلف مجالات الحياة.  

    وحتى لا أطيل عليك عزيزي القارئ، أدعوك دعوة مضيف يقرى ضيفه بألذ طعام، ويدعوه بعد ذلك ليسبح في بحر الكلمات الشعبية، ويغرف من لجج الأمثال المروية، ويسهر أمسية سمرية حلوة يقضيها مع الأحاجي والأمثال المغربية ليكشف فيها عن عمق الكلمة البسيطة ونفاذها…

عبد الحي بنيس
الرباط في 2 يونيه 2008

ليست هناك تعليقات:
كتابة التعليقات