الإصدار السادس عشر: سنة 2015
عن دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع تحت عنوان:
"قطوف دانية من الأمثال الشعبية والأحاجي المغربية"
مقدمة
لقد ارتأيت من خلال إخراج هذا المؤلف في حلة ثانية، أن أبقى وفيا لفن الأمثال والأحاجي، لما لقيه هذا النوع الأدبي من شيوع واسع بين جمهور القراء، نظرا لخفة مواضيعه، وعمق ما فيه من حكم هادفة، ونظرا لإصابة مواضيعه للأغراض المنشودة منه، وكذا لصدق تمثيلها لضروب الحياة العامة.
إن الأمثال ضرب من الفنون، تعبر عن أخلاق الشعوب وثقافتهم, إذ يجتمع في هذا النوع الأدبي والتراث الفني ضروب من البلاغة، سيما أنها تعتمد على إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكتابة، فهي بمعنى آخر بلاغة الشعوب في القول المحكم المرصع، إذ لا تقل درجة عن بلاغتهم في القول.
إن الأمثال هي أصدق فن يتحدث عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليتها، و يدون تقاليدها وعاداتها، وتصور المجتمع وحياة الأفراد وشعورهم أتم تصوير، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارها مرآة للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية والدينية واللغوية، إذ يمكن اعتبارها خلاف الشعر العربي الذي هو لغة النخبة، بينما الأمثال تبقى لغة مفتوحة على جميع الفئات.
إن الأمثال المغربية تزخر بحكم سبرت أغوارها في عمق التاريخ المغربي، وارتوت من فيض ذاكرة وتجارب المواطن المغربي البسيط والمثقف، الفقير والغني.
إن الأمثال المغربية هي ضرب من الإشعاع البراق لحكمة المغاربة وولعهم بالفنون الأدبية على اختلاف أنماطها، إنها بحق حكم سائرة تمخضت في رحم الذكريات المغربية الحبلى بالأحداث والوقائع المؤثرة، إنها مواقف ولدت أمثالا صرفة تؤرخ للأجيال تلو الأجيال حكما بليغة تحكي لنا أفراح وأتراح الأجداد والأسلاف، وتميط اللثام عن تقلبات تطورات وعقليات واعتقادات وثقافات المغاربة عبر التاريخ والزمن.
إن الأمثال المغربية يمكن اعتبارها كلمات نقشت في ذاكرة المغاربة عبر التاريخ، ثم رصعت بأصبع الرواة والمؤلفين والموثقين والمبدعين، لتحيى على إيقاعات جديدة ترى من خلالها النور ولا تبقى حبيسة الظلام الحالك بين الرفوف.
إن الأمثال والأحاجي المغربية عنصران جديران بالحفظ والصيانة لأن إتلافهما ونسيانهما هو إتلاف وضياع حقيقي لذاكرة المغاربة وإبداعهم على اختلاف درجاته ومستوياته، ومن هذا المنطلق ارتأيت من خلال هذا المؤلف الجديد دون اكتراث للمشقة والجهد والصعوبات، أن أجمع وأدون بين صفحات هذا الكتاب ما يربو على 12.000 مثل وما يقارب 500 من الأحاجي، دافعي القوي من وراء هذا العمل أن أقدم لجمهور القراء الأفاضل قطوفا يانعة من التراث والذاكرة المغربية، ودررا نفيسة نادرة، وتحفا فريدة، ابتغي من خلال ذلك تجميع ما تناثر من الأمثال والأحاجي حفاظا وصيانة للذاكرة الجماعية المغربية، والمتميزة بعبقريتها وإبداعها وعفويتها في غالب الأحيان...
لقد حان الوقت عزيزي القارئ أن نعيد اليوم للذاكرة والثقافة المغربية مكانتها من جديد، وأن نربط الأمس باليوم، وأن نلقن أبنائنا ومن سيليهم من الأجيال أمثالا شهية قوية تضرب بسهام حكمها في أحداث ووقائع اليوم المعيش، وقائع عاشها آباؤنا وأجدادنا أترث فيهم الأثر البليغ، فتركوا لنا ذخائر من الأمثال والأحاجي لعلنا نستخلص منها الحكم والعبر والعظات...
عبد الحي بنيس
حرر بالرباط
ليلة فاتح دجنبر 2015
ليست هناك تعليقات:
كتابة التعليقات