الأحد، 13 مايو 2001

جريدة الأحداث المغربية : نجوم لا يعرفها أحد

 



جريدة الأحداث المغربية
بتاريخ الاثنين 9 جمادى الأولى 1422 الموافق 30 يوليو 2001 – عدد 922

"نجوم لا يعرفها أحد"

عبد الحي بنيس، موظف لدى إدارة مجلس النواب، من مواليد مدينة فاس سنة 1952. ورغم أنه نشأ في أسرة تحترف الخرازة فإنه بحكم ارتباطه المبكر بحزب الاستقلال قادته الظروف إلى العمل في فريقه النيابي منذ سنة 1977. ويغلب على بنيس هاجس التوثيق، فلا يكاد يمر حدث ما كيف ما كانت أهميته، إلا وقام بتوثيقه حتى غذى ذاكرة البرلمان بامتياز. لقد قام بتوثيق ما يزيد عن 60 عملا، من أهمها: حكومات المغرب المستقل من 7 ديسمبر 1955 إلى 6 سبتمبر 2000، والديمقراطية الحسنية الأسس والتوابث من 1957 إلى وفاة الحسن الثاني، ومواكبة الدساتير المغربية: من مشاريع نصوص إلى نتائج الاستفتاء "من 1958 إلى دستور 1996".

نص الحوار:
اشتغالك في البرلمان هل كان نتيجة تخطيط لمسارك المهني أم جاء صدفة، أم تحكمت فيها عوامل أخرى؟
عندما كنت شابا يافعا انخرطت في فرقة التوحيد الفني للمسرح التي كان يديرها شقيقي وذلك في إطار الشبيبة المدرسية والشبيبة الاستقلالية. هذا النشاط جعلني أكون قريبا من حزب الاستقلال. وقدمت عدة أعمال مسرحية على صعيد مدينة فاس والصعيد الوطني، إضافة إلى أعمال أخرى عديدة قدمتها للتلفزة الوطنية من سنة 1969 إلى 1973، وعندما حلت انتخابات 1977، منح الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أربع مناصب، فتقدمت بطلب من أجل العمل فتم توطيفي في البرلمان.
متى بدأ عملك في البرلمان بالذات.
في يوم 14 أكتوبر 1977 مع الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية.
وما هو السبب الذي جعلك تفضل الوظيفة على المسرح؟
المسرح بصراحة يعتبر من المجالات التي بإمكان الإنسان أن يفجر فيه طاقاته الإبداعية بكل إخلاص والتزام. وهو مجال يستهويني، فأنا أفضل لو كنت فنانا كبيرا وذا شهرة، على أن أكون موظفا، لأن الفن هو المجال الوحيد الذي يجعلك محبوبا لدى الجمهور، ويجعل هذا الأخير يدفع من أمواله لكي يشاهد عروضك الفنية، بخلاف الرجل السياسي الذي يمنحك الأموال لكي تصوت عليه أو تقوم بالدعاية له. ولكن مع كامل الأسف المسرح عندنا اليوم لا يضمن للإنسان قوت يومه.
وما هي حصيلة عملك داخل البرلمان؟
الحصيلة غنية، وإن شاء الله، سأقوم بتوثيقها في كتاب "مذكرات موظف بالبرلمان" فقد عشت تجربة غنية وعاينت أشاء كثيرة.
هل لك أن تحدد لنا نوعية العمل الذي تقوم به في البرلمان؟
في البداية اشتغلت محافظا للفريق الاستقلالي وذلك منذ 14 أكتوبر 1977 إلى أكتوبر 1992 ثم غادرت الفريق لأعمل في الإدارة.
هل بإمكانك أن تكشف لنا عن أشباب مغادرتك للفريق الاستقلالي؟
عندما كنت في الفريق كانت قناعتي هي أنني أشتغل لمصلحة الفريق. أنا لا أخدم الأشخاص، ولكن مع كامل الأسف الذين يخدمون الأشخاص هم الذين يحصلون على الترقيات والامتيازات بطرق مختلفة. وحينما أقول بأنهم يخدمون الأشخاص فإن لهذا التعبير معنى واسعا. فرغبتي كانت هي خدمة الفريق لأنني كنت استقلاليا قحا وما زلت كذلك. كنت أعتبر نفسي ضمن الفريق. وكان هناك من يرغب في أن أقوم بخدمة الأشخاص ولكنني رفضت ومازلت مصرا على قناعتي. 
هل يعني ذلك أنه كانت لديك خلافات مع الفريق؟
إن خدمة الأشخاص وليس المصلحة العامة تؤدي بالضرورة إلى حدوث خلافات وصدمات...
بحكم تجربتك الطويلة داخل البرلمان، هل ترى أنه حدث تغيير في العمل البرلماني، وفي أداء النواب؟
أتذكر أنه حينما دخلت إلى البرلمان كان الشعور الذي تولد لدي هو أنني أدخل إلى مبنى عظيم، مثل ضريح مولاي إدريس. البرلمان كانت له هالة عظيمة. ولم يكن هذا انطباعي أنا فقط بل إن كل الموظفين الذين بدأوا عملهم في تلك الفترة كان لديهم نفس الإحساس، وكان لديهم تقدير كبير للبرلمان. البرلمان كانت له إذن حرمته، أما الآن فهناك تسيب، فالكل بإمكانه أن يلج هذا المبنى حتى الأشخاص الذين ليست لهم أية صفة. ثم إذا قارنا النائب في الزمن الماضي، مع نواب اليوم نجد بأن الفارق كبير. لقد اشتغلت في البرلمان أيام عبد الكريم غلاب، والهاشمي الفيلالي، وعلي يعتة ومحمد الوفا وامحمد الخليفة وإبراهيم بوطالب، وعبد الحميد القاسمي وغيرهم كثر مما كانوا يقنعون المتتبع بمداخلاتهم. ورغم أنه ما زال هناك اليوم بعض النواب الذين عايشوا تلك الفترة إلا أنهم لم يحتفظوا بنفس الحماس ونفس القوة في التدخلات والمشاركة في الحياة النيابية. كنا نبقى حتى الساعة السابعة صباحا في الجلسات العمومية. كان سؤال شفوي واحد لا تتم الإجابة عنه في جلسة واحدة بل كان يتطلب عدة جلسات. الآن أصبحت الإجابة عن سؤال واحد في ثلاث دقائق، ففي تلك الفترة كان عدد الفرق النيابية ضئيلا جدا: أربعة فرق، وكان الكل يتدخل لمناقشة السؤال، ربما حتى خمسة أشخاص من نفس الفريق. وعلى ضوء هذه المقارنة، كنت شابا أعيش في فاس في المخفية برأس الزاوية، وكان هناك شخص اسمه الحاج محمد بنشقرون يسكن في درب الشيخ الفوقي، وجاء عنده أعيان المدينة والتمسوا منه أن يترشح للبرلمان، إلا أنه رفض. لكن أعيان المدينة ذهبوا إلى ضريح مولاي إدريس واصطحبوا معهم مجموعة من الشرفاء الأدارسة، وتم ذبح خروف على عتبة منزله لكي يتنازل عن رفضه وفعلا قبل الترشيح لبرلمان 1970. الآن نلاحظ العكس. أصبح المرشح للبرلمان يوزع المال لكي يصوت عليه الناس. وحتى عندما يفوز بالمقعد فإن الناس لا يعرفون اختصاصاته كنائب، وهذا ما ينبغي أن يعرفه كل منا. ما هو دور النائب؟ هناك من يخلط بين دور النائب البرلماني والمستشار الجماعي، لذلك يتعين على وسائل الإعلام أثناء كل حملة انتخابية على الأقل التعريف بدور كل واحد منهما.
من بين الانتقادات التي توجه للنواب تدني المستوى التعليمي والثقافي وكثرة الغياب. ما رأيك في ذلك.
في رأيي أن المستوى التعليمي والثقافي لا يمكن أن يكون شرطا ضروريا للنائب. فالشهادة الثانوية أو الجامعية لا تضمن حسن أداء النائب. النائب "أي نائب" إذا كان يحب بلده بإمكانه أن يطرح القضايا التي تشغل بال المواطنين بالطريقة وبالأسلوب الذي يحبذه هو. المهم هو أن يبلغ الحاجة. أنا مثلا خراز فينبغي أن أتحدث عن مجال الخرازة لأنني أفهم هذا المجال جيدا. 
وما زلت في هذا السياق أتذكر السيد إدريس حجيج الله يرحمه الذي رأيته يدافع عن الصناعة التقليدية إلى درجة أنه كان يبكي. فقضية الثقافة ليست ضرورية. المهم أن يطرح الإنسان القضايا المهمة ويدافع عنها بنية خالصة واستماتة. كذلك هناك نواب فلاحون أميون ثقافيا ولكنهم أساتذة أو دكاترة في المجال الفلاحي.
وبحصوص غياب النواب فهذه ظاهرة تسجل على بعض النواب وليس على الكل. ولكن كن متأكدا بأن الجلسات التي تتميز بالتشويق والإبداع في الطرح والاجتهاد في القضايا المسطرية تكون متميزة وتحزى بمكانة الحضور.
سننتقل الآن إلى شق آخر من السؤال ويتعلق بالأداء الحكومي، لقد تعددت الانتقادات الموجهة إلى حكومة التناوب وكان أبرزها أن وتيرة عملها بطيئة جدا وأنها لم تنجز الأوراش التي وعدت بإنجازها، ما رأيك عموما في أداء الحكومة الحالية ؟
لا يمكن لي أن أطلق حكما على حكومة التناوب إلا انطلاقا من وضعيتي كمواطن. فعندما أحاول أن أقيم كمواطن بسيط ما تم إنجازه، وبحكم معايشتي لمختلف طبقات المجتمع، وبحكم تتبعي للعمل الحكومي والبرلماني فإنني ألاحظ بأن الوضعية لا زالت على حالها، فاقتصادنا لا يزال هشا يتغذى فقط من موارد استثنائية كالخوصصة. والبطالة ما تزال متفشية، والامتيازات ما تزال قائمة، والأجور الضخمة لا زالت مستمرة، والعالم القروي لا زال مهمشا، أي أن هذه البرامج التي كانت تدافع عنها المعارضة السابقة لم تترجم بعد إلى واقع ملموس. 
مقارنة مع الحكومة السابقة هل للحكومة امتياز ما؟ هل تلمس فرقا ما؟
صحيح أن امتياز هذه الحكومة هي أنها أعادت شيئا من الاطنئنان للمواطنين، بمعنى أن ميزتها معنوية ونفسية أكثر مما هي عملية.
هذا يجرنا للحديث عن نظام الغرفتين. هل توافق على وجود غرفتين داخل البرلمان؟
ما دام أن الدستور قد نص في فصله 93 على المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فمن الأفضل أن يمارس هذا المجلس الذي لم يظهر له أثر بعد المهمة الموكولة حاليا للغرفة الثانية، وبالتالي تحدف هذه الأخيرة ويتم الاحتفاظ فقط بالغرفة الأولى على أساس تقليص عدد النواب إلى 160 فقط بمعدل 10 نواب عن كل جهة من الجهات الست عشر للمملكة.
أنت معروف أكثر بميلك الشديد للتوثيق. فأنت تسجل وتوثق كل ما تراقبه في البرلمان وكل ما يحدث فيه. وهذا عمل يتطلب مجهودا كبيرا كما يتطلب وقتا كبيرا. ولكنك تعتقد بأن عملك لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. هل من تفسير لذلك.
دعنا نبدأ من بداية هذا العمل التوثيقي الذي وصل الآن إلى أكثر من ستين عملا، كلها مهمة وخاصة ما يتعلق بتوثيق جميع ما قاله المرحوم الحسن الثاني حول الديمقراطية سواء في خطبه أو استجواباته... وذلك منذ سنة 1957 إلى وفاته. وهو كتاب يضم 540 صفحة وهو عمل يستحق أن يكون في جميع المكتبات لأنه يهم كل الشرائح من طلبة وباحثين ونواب برلمانيين، فعوض أن يستعين المرء ب46 مجلدا من انبعاث أمة أو الجريدة الرسمية. فإن عليه أن يتصفح مجلدا واحدا.
ولماذا لا تقوم بنشر أعمالك؟
هذه قصة طويلة، فقد راسلت المسؤولين عدة مرات لدرجة أنه يمكن توثيق كتاب يضم كل هذه الرسائل، ولم أتلق سوى جواب واحد من طرف مستشار الملك الذي قال إنه راسل مديرية الوثائق الملكية التي كان ردها أنه في الظروف الراهنة لا يمكن طبع الكتاب نظرا لعدم توفر الإمكانيات. وهناك رئيس مجلس النواب السابق الذي أجابني شفويا بأنه بسبب عدم توفير الاعتمادات المالية، فإنه من غير الممكن طبع العمل. لكن الأمر المثير للغرابة، هو أنني اكتشفت فيما بعد بأن رئاسة المجلس طبعت ثلاثة كتب بتكلفة بلغت 14 مليون سنتيم. لقد ظل عملي لدى الرئاسة لمدة نصف سنة وجاءني الرد بالنفي، وعلينا أن نقارن القيمة العلمية لهذه الكتب التي طبعت على نفقة المجلس والكتاب الذي أعددته لنرى بماذى تمتاز هذه الكتب على العمل الذي قمت به.
العمل التوثيقي كيف نشأ عندك هل كان محض هواية أم أنك ترتجي هذفا معينا منه.
يقول مثل قديم "اللي خبيتيه ينفعك إلا بنادم غرسوا يقلعك" فمن الطبيعي أنه حينما أرى شيئا مهما أحرص على الاحتفاظ به. ثم إنه بحكم عملي في المسرح فقد كانت الصحافة تكتب حول الأنشطة التي كنا نقوم بها من ضمنها صحيفتي العلم والنباء. وبعد زواجي ندمت على أنني لم أجمع كل ما نشر حول هذه الأنشطة. وعندما تم توظيفي في البرلمان حرصت على عدم معاودة نفس الخطأ فبدأت أوثق كل شيء أراه يستحق ذلك. كنت أجمع كل تدخلات الفريق الاستقلالي، وفي سنة 1982 وثقت كل ما يتعلق بموقف الفريق الاستقلالي من قضية الوحدة التاربية. هذا العمل جعل مديرية الوثائق الملكية تطلب ثلاث مسخ منه لكي تعزز بها المكتبة.
وعلى ذكر التوثيق فأنا الآن بصدد إعداد موسوعة حول كل ما يهم البرلمان: "جميع الخطب التي ألقيت في البرلمان من 1963 إلى اليوم. وجميع خطب رؤساء البرلمان في افتتاح دورات البرلمان أو اختتامها أو جلسات خاصة أو زيادة ضيف مهم للمغرب. زكل ما قاله المرحومان محمد الخامس والحسن الثاني والملك محمد السادس حول البرلمان سواء في الاستجوابات الصحفية أو تفسير الدستور أو خطاب ثورة الملك والشعب أو عيد العرش وجميع النصوص المتعلقة بالبرلمان" والقوانين النتظيمية والأساسية. الظهائر، دعم الأحزاب، وكل ما يصدر في الجريدة الرسمية حول البرلمان.
وما هي الأسباب التي تجعل الآخرين لا يتحمسون لطبع ونشر أعمالك التوثيقية؟
أشرت سابقا إلى أنني راسلت العديد من الجهات، وبأنني لا أروم الربح المادي وراء نشر أعمالي. بل إن الذي يهمني هو أن لا تضيع هذه الأعمال. فاسمي لا يعدو أن يكون رقما ماليا في الخزينة العامة وعندما سأموت فإن اسمي سيختفي نهائيا لكن أريد لأعمالي أن تستمر ومعها اسمي كذلك.
هناك ظاهرة لا تعجبني وهي أنه عندما يطلع الآخرون على أعمالي يقولون إنها جيدة فيطلبون نسخة منها. هذا ما يحرص عليه الناس فقط أما أن يساعدوني على نشرها فلا يهتمون بذلك.
بحكم عملك في البرلمان عاشرت العديد من رؤساء المجلس. ما هي الذكريات التي ما زالت تحتفظ بها؟
كل رئيس إلا وله خصوصيته. عندما كان أحمد عصمان رئيسا للمجلس في تلك الفترة كان الفريق التلفزي يصور الجلسات العامة. هناك تولدت لدي فكرة. لماذا لا يكون لدينا كامرات خاصة بنا ونقوم نحن بالتوثيق، فقد كنت أعتمد في أعمالي التوثيقية على الصحافة فقط، لذلك كنت حريصا على أن يتم التوثيق بالصورة كذلك. فتوجهت إلى مدير ديوان أحمد عصمان وطالبت مقابلته وشرحت له الفكرة وطلب مني كتابة المشروع فطلبت من النائب السابق حسن طريبق بأن يدون لي المشروع. الآن أصبح لدينا "الريجي" كان لدي هدف من وراء ذلك وهو الاعتماد على الصورة والرجوع إلى ذلك في أعمالي التوثيقية وربما ترجمة ما يتم تصويره إلى اللغات الأخرى إذا جاء ضيف أجنبي. 
ما الذي تستفيد من أعمالك التوثيقية وما الذي يستفيد القارئ ما هي القيمة العلمية لأعمالك التوثيقية؟
الذي ألاحظه أنا بحكم تواجدي بالبرلمان أن هناك اهتماما متزايدا من طرف الباحثين والطلبة بالعديد من المواضيع المتعلقة بعمل واختصاصات البرلمان. وكنت أتمنى أن يكون لدي في الحال ما يبحثون عنه هؤلاء. لأمدهم به. إنني أشجع كل طالب علم. مزية الأعمال التوثيقية حول الحكومات مثلا، هو أن المرء يعرف تركيبتها وبرامجها وكل ما قيل في حقها والظروف التي جاءت فيها بإمكان المرء أن يتعرف على الحكومات التي قدم بشأنها ملتمس رقابة وما هي الأسباب. نفس الشيء بالنسبة للأعمال التوثيقية المتعلقة بالديمقراطية. إنني أستمع لعدة مداخلات فأربط دائما بين الحزب وبين برامج حملته الانتخابية من جهة وبين الديمقراطية كما كان المرحوم الحسن الثاني يتصورها. الباحث سوف يعرف الركائز التي تقوم عليها الديمقراطية في هذا البلد حسب ما كان يتصورها الحسن الثاني، وحسب ما يراه في الواقع.
هناك عدة أراء تنصب في موقف واحد هو أن الأحزاب استنفدت كل ما تملك من إمكانيات ولم تعد مؤهلة للعب ذلك الدور الأساسي الذي لعبته في فترة من الفترات سواء في الحياة السياسية أو على مستوى تأطير المواطنين. ما رأيك أنت؟
رأيي هو أن الإنسان إذا لم يكن يحب بلده، وإذا كان وصوليا وأنانيا، فلا يرجى منه خير. وهذا يصدق على الأحزاب كذلك. ثمة ناس يرغبون فقط في الوصول إلى موضع القرار ولا يهمهم شيء آخر، وهذه المسألة هي منبع الخطوره. ثم لابد أن أضيف بأن علاقة المحاباة والزبونية تفسد عمل الأحزاب. هناك من "عاد قطر بيه السقف" ومنح تزكية الترشح فبلغ موقع المسؤولية بسرعة جنونية، بينما المناضل الحقيقي الذي عانى مرارة السجون والاعتقال يهمش. صحيح أن ثمة أشخاصا لا يرغبون في مناصب المسؤولية عبر تقديم خدمات للأخرين وبالاعتماد على العلاقات والزبونية... 
وما رأيك في التطورات التي حققها المغرب في السنين الأخيرة في مجال الحريات العامة؟
صحيح أن مجال الحريات العامة قد توسع منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، ولكن هناك أشياء أخرى ينبغي الاهتمام بها كطريقة معاملة المواطنين في الإدارات وفي مختلف مرافق الحياة العامة.
لكن بالمقابل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لم تتحسن. فالبطالة تتزايد وتيرتها من يوم لآخر، نفس الشيء بالنسبة للفقر، وما تزال نسبة الأمية مرتفعة..
مع الأسف هذا صحيح، فمنذ حصول المغرب على الاستقلال ونحن نعاين تزايد عدد أحياء مدن الصفيح. هل نحن عاجزون على القضاء على هذه المدن. لو توفرت الإرادة السياسية حقا لقضينا على كل أحياء الصفيح. هناك قصور في العمل. هناك أنانية. أعطيك مثال: "هناك مسؤول سياسي يتحمل مسؤولية وزارة معينة ويمتلك في نفس الوقت معملا. فأنت ترى هذا المسؤول قد فشل في عمله كوزير ولكنه لم يفشل في وضعه كمالك للمعمل" ليس هناك مسؤول سياسي فشل في أعماله ومشارعه الخاصة والسبب في ذلك هو حرصه على النجاح، أما كوزير فلا يهمه إن نجح في مهمته أم لا" وكما يقول سيدي عبد الرحمان المجدوب: "تخلطات ولا بغات تصفى ولعب خزها فوق ماها، رياس على غير مرتبة هما سباب خلاها".
هل تعتقد بأن هناك أزمة قراءة في المغرب؟
كل شيء مرتبط بالجيب. بالله عليك إنسان موظف يتقاضى 2000 درهم كما يحتاج للكراء ولنفقات الأسرة والمواصلات؟ شعبنا بصراحة عظيم ويقرأ ويحرص على اقتناء الجرائد والكتب لكن "الشي من الشي نزاها والشي من قلت الشي سفاهة".
وما رأيك في بطالة الخرجين الجامعيين؟
أنا ضد البطالة ولا أريد أن يكون المغربي عاطلا. الدستور يضمن حق الشغل والحق في التعليم. إنني لا أستثني الذين لا يتوفرون على الشهادات التعليمية. فنحن عندما حصلنا على الاستقلال كان الصناع والحرفيون "الدباغة والدرازة والخرازة والعمال والفلاحون" هم الذين كانوا يعملون ويكافحون فلماذا يتم تهميش هؤلاء ونركز الحديث فقط على المجازين والدكاترة العاطلين. الدستور يضمن العمل لكل المغاربة لكن مع الأسف لا نطبق مقتضياته وخاصة الفصل الثالث والرابع والخامس والتاسع والثامن عشر. وهذه نصوص أساسية.
هل لديك اهتمامات تتعلق بالقراءة خارج إطار التوثيق؟
التوثيق يتطلب القراءة. لقد قرأت الدساتير الخمسة التي عرفها المغرب وبحثت عن كل ما قيل عنها من طرف المرحوم الحسن الثاني والملك محمد السادس، بالإضافة إلى مذكرات الكتلة. وأنا الآن بصدد توثيق كل التعويضات والمكافءات التي يحصل عليها الموظفون منذ الاستقلال إلى الآن.. أنا لا أقرأ كتابا معينا إلا أن عملي يتطلب الإطلاع على مراجع ونصوص معينة.
وأين تمضي وقتك عندما لا تكون في البرلمان؟
إن نمط حياتي بسيط فهو يتوزع بين المنزل ومقر عملي.
هل للتلفزيون مكان في حياتك؟
نعم، وأفضل البرامج عندي هي الأفلام الوثائقية حول الحيوانات والبرامج الحوارية.
كيف تنظر إلى الانتخابات المقبلة؟ هل تعتقد بأنها سوف تمر في أجواء تطبعها النزاهة والشفافية؟
الغيب لا يعلمه إلا الله، ولكن بإمكاني أن أقول لك شيئا: أقسم لك بأغلظ الإيمان أنه سوف لن يكون هناك أي تغيير. الناس يركزون اهتماماتهم على مصالحهم الشخصية وليس على مصلحة البلد. أنا عشت في فترة كان عدد الفرق النيابية لا يتجاوز الأربعة أما اليوم فهناك 12 فريقا. هل أضافت شيئا جديدا؟ هناك أحزاب تتحدث عن البادية وتقول هي مجال عملها الأساسي. لكن ماذا فعلت للبادية؟ ثم إذا أخذنا حزبا كحزب الاستقلال فإنه منذ البداية وهو يقدم اقتراحا حول منع الخمر، شارك في الحكومة مرتين، هل استطاع أن يفرض هذا المقترح على أرض الواقع؟ الاتحاد الاشتراكي قدم العديد من اقتراحات القوانين، ها هو الآن في الحكومة فهل ترجم هذه الاقتراحات القوانين إلى أرض الواقع؟
ما رأيك في مسألة تخليق الحياة العامة، وتقريب الإدارة من المواطنين؟
عموما الحياة الإدارية لا زالت في حاجة إلى تخليق.
ما رأيك في موضوع الهجرة السرية؟
بإمكان الإنسان أن يعض في الحجر ويمتهن أي عمل مقابل أن يبقى في بلده. إلا أن هناك أناسا يسعفهم الحظ للهجرة وتحسين أوضاعهم. البلد الذي يعرف نسبة كبيرة من البطالة لا شك أن العديد من أبنائه ستحدثه نفسه بالهجرة منه، هناك من يمتلك الجراة في البقاء هنا لبيع النعناع ثم يطور نفسه فيما بعد لكن هنام من لا يمتلك هذه الجرأة.
كيف تنظر إلى الحركات الأصولية؟
يجب أن نحدد نقطة أساسية ومهمة وهي أنه لا ينبغي أن يسمى أي حزب بالحزب الإسلامي لأننا كلنا مسلمون والذي بين الله عز وجل وبين العبد لا يحتاج إلى وسيط وخصوصا إذا كان حزبا سياسيا، فهذا الدور يقوم به العلماء وهم الذين لهم الصلاحية لإصدار الفتاوى، ويقومون بهذا الدور من خلال المنابر المخصصة لذلك. ثانيا هذه الفئة إذا كانت حزبا تريد أن تؤطر المواطنين كما ينص الدستور على ذلك في فصله الثالث، إذا كان لها برنامج مجتمعي فلتتقدم به إلى المواطنين وهؤلاء هم الذين سيختارون. 
لماذا لا تخضع حياتنا للاستقامة وحسن التدبير.
لأننا أولا لا نعمل بكتاب الله، وثانيا. لا تعمل بمقتضيات الدستور. خذ أي فصل منه وقارن بين ما يقول وما نعيشه على أرض الواقع. الفصل الخامس مثلا يقول "جميع المغاربة سواسية أمام القانون" هل يطبق ذلك على أرض الواقع؟ ثالثا، وهنا أعود إلى ما قاله سيدي عبد الرحمان المجدوب "تخلطات ولا بغات تصفى..." الناس ليست لديهم الروح الوطنية، بل يحبون أنفسهم أكثر، زهنا يكمن المشكل.
لو خيرناك اليوم بين أن تشتغل في البرلمان وبين أن تقوم بعمل آخر هل كنت ستختار نفس الوظيفة.
أنا في الحقيقة أحب عملي في البرلمان. فالوظيفة التي أشغلها ذات خصوصية، فلو خيرت من جديد فإنني سأختار العمل بالبرلمان. تصور أنني منذ سنة 1996 لم أخرج للعطلة السنوية، وهذا ناتج عن حبي للمؤسسة التي أعمل فيها.
وهل أنت مستعد لتشجيع أبنائك للانخراط في حزب معين؟
سأشجع أبنائي على الانخراط في الأحزاب إذا تحققت لهذه الأخيرة شروط الديمقراطية وتفتح المجال لمختلف الشرائح الاجتماعية لتتحمل المسؤولية فيها.
ماذا تتمنى بالنسبة للمستقبل؟
أتمنى أن أجد من يتفهم طموحي ويطبع أعمالي التوثيقية التي تحدثت عنها سابقا، وأؤكد بأنني لا أروم تحقيق أي ربح مادي من وراء ذلك.  
أجرى الحوار: جمال بورفيسي 
    



ليست هناك تعليقات:
كتابة التعليقات